في القرن الماضي، آثار حصان اسمه "هانز الذكي" ضجة كبيرة، بعدما تكررت المشاهد التالي وصفة: فناء مرصوف محاط بمنازل سكنية عالية في الجزء الشمالي من برلين، حشد صغير يتجمع لمشاهدة مدرس رياضيات قديم في المدرسة الثانوية يظهر تألق أحد تلاميذه المبكرين، يقف مدرس الرياضيات الذي يبلغ من العمر 60 عامًا بفخر مع قبعة سوداء متدلية تغطي شعره الأبيض الخفيف، وإلى يساره وقف التلميذ، وهو حصان روسي مثير للإعجاب.
لأكثر من عقد من الزمن، ساعد المدرب فيلهلم فون أوستن، الحصان هانز، على تطوير عدد من المهارات المعرفية، التي جعلته عندما يُطرح عليه سؤالًا يجيب بشكل صحيح، عن طريق رأسه بـ "نعم" أو "لا"، أو عن طريق النقر على قدمه للإشارة إلى الأرقام، وفقا لموقع "amusingplanet الذي استعرض قصة هانز في تقرير معمق.
استطاع "هانز الذكي" إظهار الاتجاهات من خلال قلب رأسه، والتمييز بين "اليسار" و"اليمين"، وتحديد الألوان، وقراءة الساعة، والتعرف على أوراق اللعب وتحديدها، وفهم عدد كبير من المفاهيم المختلفة، ووصل الأمر إلى أن هانز صار بإمكانه إجراء عمليات حسابية تتجاوز الأساسيات.
هانز استطاع أن يجيب على أسئلة رياضية من نوعية "2/5 زائد 1/2؟"، "الجذر التربيعي لــ16"، "عوامل 28".

ذكاء هانز لم يقتصر فقط على الحساب، بل كان الحصان يذهل الحشود من خلال تهجئة الكلمات وأسماء الأشخاص، حيث نقرة واحدة على الأرض هي "A"، ونقرتان "B"، وهكذا.. كما قدم أيضًا دليلاً على ذاكرة ممتازة، إذ عرف التقويم السنوي بأكمله، وعند سؤاله مثلا "إذا جاء اليوم الثامن من الشهر يوم ثلاثاء، فما هو تاريخ الجمعة التالية؟".
تعدد مهارات هانز في اتجاهات أخرى كان محيرًا، كان بإمكانه التعرف على النغمات، وعلى الأشخاص في الصور الفوتوغرافية، والتمييز بين القبعات المصنوعة من القش واللباد، ومعرفة الألوان المختلفة، وما إلى ذلك.
وعلى حسب بعض التقديرات، كان النمو العقلي لهانز مشابهًا لطفل عمره 13 أو 14 عامًا، وبطبيعة الحال، أثار الفضول بين العديد من علماء النفس وأخصائيي علم الحيوان والخبراء في مختلف المجالات الأخرى، ولكن عاش هانز في وقت كانت الدراسات على الإدراك الحيواني وعملياتهم العقلية قليلة ومتباعدة.

بسبب الاهتمام الإعلامي المتزايد، عين مجلس التعليم الألماني لجنة للتحقيق في ادعاءات فون أوستن العلمية، وتألفت لجنة "هانز" هذه من طبيب بيطري، ومدير سيرك، وضابط سلاح فرسان، وعدد من معلمي المدارس، ومدير حدائق حيوان برلين، وبعد اختبارات مكثفة، استنتجت اللجنة في عام 1904 أن أداء هانز رائع ولا يوجد به أي شكل من أشكال الاحتيال، وبمعنى آخر كانت القدرات العقلية لهانز حقيقية.
نقلت اللجنة التقييم إلى أوسكار بفونجست، وهو طبيب نفساني شاب عمل في مختبر الرجل الذي رأس اللجنة، وصمم مجموعة دقيقة من التجارب وبدأ في اختبار هانز.

لاستبعاد احتمال أن فون أوستن كان يغذي هانز الإجابات سرا، أزيل من المشهد، وتفاجئ أوسكار عندما وجد هانز قادرًا على الإجابة بشكل صحيح حتى عندما لم يكن صاحبه هو الشخص الذي يطرح الأسئلة.
وبدأ أوسكار بفحص ما إذا كان الحصان يحصل على أدلة، غير معروفة للسائل، من خلال قراءة التغييرات الطفيفة في سلوك السائل، الموقف، النغمة، وما إلى ذلك، ولتأكيد ذلك، أبقى الطبيب النفسي الإجابات مخفية من السائل، وعندها انخفضت دقة إجابات هانز.

بعد أن أصبح واضحًا أن الحصان يعتمد كليًا على المنبهات الخارجية من السائل، بدأ فونغست في مراقبة المستجيبين بدلا من ذلك لفهم نوع القرائن التي قدمها البشر دون وعي، ولاحظ على الفور أن تنفس السائل ووضعيته وتعبير وجهه يتغير بشكل لا إرادي في كل مرة ينقر فيها الحافر.
لاحظ فونجست توترًا ملحوظًا في عضلات وجه السائل والرقبة حينما يقترب الحصان من الإجابة الصحيحة، وبمجرد الوصول للجواب الصحيح يزول التوتر فجأة، وها يقدم إشارة إلى هانز بأنه يجب أن يتوقف عن النقر.

بمجرد أن تعلم أوسكار قراءة هذه الإشارات الملموسة مثلما يفعل هانز، أجرى المزيد من الاختبارات التي لعب فيها دور الحصان، وأثبت في النهاية أن هانز مراقبًا ممتازًا يمكنه قراءة الإشارات المجهرية في وجه من أمامه، وتجاوزت هذه القدرة إلى حد كبير قدرة الرجل العادي، لكن ذكاءه، بأي حال من الأحوال، اقترب من ذكاء الإنسان.
توفي فون أوستن في عام 1909، وبعد ذلك امتلك هانز عدة أشخاص مختلفين، حتى تم تجنيده كحصان عسكري في بداية الحرب العالمية الأولى في عام 1914، ومصيره غير معروف، لكن البعض يعتقد أنه قُتل عام 1916.
تعليقات الفيسبوك