الاستاذ سلطان مع أحد طلابه
مئات الأميال تفصلهم، بينها مدن عدة وحوالي 4 عقود، حتى تبدلت هيئاتهم من طلاب لشباب وحتى رجال أشداء بزغوا تحت شمس الصحراء السعودية القاسية، التي نمت بداخلهم الوفاء والتقدير، بعد أن زرع في نفوسهم معلمهم المصري، أسس العلم والتربية كأب وصديق، مثلما يصفونه، ليبحثوا عنه من مدينتهم عسير، حتى وصلوا إليه بعد 40 عاما من لقائهم الأخير.
سلطان عدلي، لم يكن مدرسا لمادة الرياضيات بشكل عادي، كوسيلة لكسب رزقه، وإنما اعتبرها رسالة هادفة بالنسبة له، ورسخ بها مبدأي العلم والتربية، بيدٍ درس للطلاب الثانوي الفروع المختلفة للرياضة بحسم ومهارة، وبالأخرى لعب معهم وشاركهم همومهم ووجههم بحياتهم، وهو المنهج الذي سار عليهم في عمله بمصر والسعودية، لذلك رد له تلاميذه الجميل بعد 4 عقود.

في 1979، انتقل سلطان للتدريس في إحدى مدارس منطقة عسير، وتحديدا لفصل مكون من 19 طالبا سعوديا وآخرا فلسطينيا، ليكسر منذ الوهلة الأولى رهبة اللقاء واختلاف الجنسيات واللكنة، ويتغلغل في قلوب الطلاب وأسرهم، فشاركهم الرياضة وصعود الجبال وزيارة الصحراء والسفر والدروس دون مقابل مادي، وهو ما ربط بينهم بعلاقة قوية حينها ولكن بعد عودته لمصر عقب 4 أعوام، تقلص بعضها شيئا فشيء، ولكن بعد 20 عاما، عاد بعض تلاميذه للبحث عنه بعنوانه، حتى عثروا عليه وتوطدت علاقتهم من جديد، حتى سارعوا بالعودة له مجددا فور معرفتهم بخضوعه لعملية جراحية صعبة.
رسالة الطلاب للأستاذ سلطان
"أستاذنا القدير سلطان عدلي.. سعدنا كثيرا بطلتك البهية في إحدى القنوات الفضائية المصرية والتي رصدت مشاعرك تجاه وفاء طلابك من السعودية، ومن منطقة عسير تحديدا معاك من خلال زيارتهم لك وتأدية شيئا يسيرا من واجبك تجاه من أحببتهم فأحبوك، ووفيت معاهم، فبادلوك حبا بحب، ووفاءً بوفاء، وكانت المسؤولة عن اللقاء تبحث عن أسباب هذا الوفاء والذي نعلم جازمين بأن وفاءك وإخلاصك وأدبك الجم وسمو أخلاقك وتواضعك المعروف لدى طلابك هو الذي جعلك تتحاشى ذكر الحقيقة".. خلف تلك الكلمات البسيطة جمع الطلاب السعوديون مشاعرهم وذكرياتهم العديدة مع أستاذ الرياضيات، ليكتبوا تلك الرسالة التي وجههوها له، عقب انتشار القصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، واستضافة الأستاذ سلطان بأحد اللقاءات التلفزيونية، قبل أيام.

وقالوا أيضا في رسالتهم: "الحقيقة التي يجب علينا نحن طلابك وجوبا ذكرها وإعلانها لتكون نبراسا يهتدى به هذه الحقيقة هي إخلاصك في عملك وتفانيك مع طلابك ومحبتك لهم ومعاملتهم وكأنهم أبناءك وحرصك على أن يتعلموا العلم الذي تقوم بتدريسهم علم الرياضات، ليصبحوا من خلال هذا التخصص علماء يفتخر بهم مجتمعهم، وحتى تقدم هذه الكوكبة التي سهرت على تعليمهم ليكونوا قادة في مجتمعهم وقد كان ذلك ولله الحمد بفضل الله ثم بفضل تضحياتك بوقتك وجهدك، فقد كنت تبذل الجهود لتدريس هذه الكوكبة صباحا ومساءا دون أي مقابل مادي يدفعك لذلك كريم أخلاقك وسمو ذاتك ونبل مقصدك تلك هي الحقيقة التي ترفعت عن ذكرها لمن أجرى معك المقابلة ولكننا نقولها بأعلى صوت لقد كنت معلما نادرا استطعت أن تخلد لذاتك في نفس كل طالب منا ذكريات لا يمكن للزمان محوها أو نسيانها تلك هي الحقيقة وذلك هو التميز وتلك هي سمات المعلم النوعي الذي لايمتلكها كل معلم وإن حرص على ذلك ولا يصل لمستواها إلا الموفقون أمثالكم يا أستاذنا الفاضل"
وواصل طلابه في رسالتهم: "هذه الحقيقة نرجوا من ابنكم الفاضل محمد إيصالها باسمنا لتلك القناة بل لتلك المذيعة التي كانت مقتنعة في ذاتها بأن هناك شيء ما وراء هذا الوفاء من طلابك دمت ودام الوفاء بيننا الذي زرعته نبتة في حورة قيس وتعاهدت هذه النبته وسقيتها بماء الحب والوفاء حتى أثمرت ولازال قطافها مستمرا مادمت حيا متعك الله بالصحة والعافية وطول العمر على مايرضيه ولَك ولأبناءك ولشعب مصر العظيم أجمل التحايا من طلابك بثانوية حورة قيس الدفعة الاولى 1401/ 1402 للهجرة".

وذيلوا الرسالة بأسمائهم، وهم "علي حسن أحمد، وعلي أحمد إبراهيم، وعلي محمد الخيري، وإبراهيم حسن ابرهيم، وحسن محمد عبدالله، وحسن محمد ماطر، وعلي أحمد حسن الحياني، وعلي محمد إبراهيم، وعلي يحيى العرفجي، وعلي يحي محمد الملكي، وأحمد محمد العيال ذيبان، وأحمد محمد يحي، ومحمد مفرح يحى، وأحمد ابراهيم أحمد، ومحمد أحمد سعيد، ومحمد أحمد طيران، وأحمد محمدعلي السلال، وأحمد محمد عامر، وسعيد محمد شاووش.
اللواء علي يحيى: أستاذ سلطان أثر فيا.. وكان أخ ومربي وأب
صعد الـ19 طالبا لمناصب قيادية مهمة بالسعودية فمنهم من عمل بالشرطة والطب والتدريس الجامعي، ومن بينهم اللواء المتقاعد والمستشار بالنيابة العامة للمملكة علي يحيى علي، الذي يصف معلمه للرياضيات بأنه "أخ ووالد ومربي وكريم جدا"، واتسم بحسن الخلق والتعامل وسعة الصدر، وتمكن من التغلب على صعوبة الحياة في عسير وقتها، ودرس لهم الرياضيات بطريقة مرنة ومميزة.
لم يقتصر الأمر لدى سلطان على الدراسة فقط، حيث نظم لطلابه مباريات كرة القدم، وزيارة منازلهم ومساعدتهم في اختياراتهم الحياتية، فضلا عن التدريس لهم بعد المدرسة أيضا دون مقابل مادي، وفقا لحديث يحيى لـ"الوطن"، مضيفا أنه بعد انتهاء مدة عمله البالغة 4 أعوام، حرص جميع الطلاب على توديعه بالمطار ومنحهم عنوانه ورقمه في القناطر بالدقهلية، وظل بعضهم على تواصل معه حينها، قبل أن ينتقل بمنزله.
بعد 26 عاما من الثانوية العامة، التقى الطلاب مجددا وقرروا البحث عن أستاذ سلطان، ليطير 3 منهم إلى مصر ويجروا محاولات عديدة حتى توصلوا للمنزل الجديد له، ليتفاجأ بلقائه بشدة، ويتصل به باقي طلاب الفصل، من بينهم "يحيي"، الذي زاره بعد عام من ذلك الوقت لظروف عمله، ويروي تفاصيلها: "أول ما وصلت مصر كلمته وصمم إني أترك الفندق وأقيم معه بالمنزل وأكرمني بشكل منقطع النظير، فلم يختلف يوما عن شبابه، وزرته مرة أخرى لاحقا عند مشاركتي بتدريب في القاهرة".

بينما كانت الزيارة الأخيرة له قبل عام، حينما عرفوا بخضوعه لعملية جراحية خطيرة في القدم، ليطير مجددا عدد من الطلاب لأستاذهم، للاطمئنان عليه، ولم ينقطع الاتصال بينهم منذ ذلك، ولكن منعتهم أزمة كورونا حاليا من تكرار الزيارة.
السلال: عشنا معه 3 أعوام كنا صغار وكبرنا فيهم معه وساندنا
العلاقة بين الأستاذ سلطان ويحيى، لم تختلف عن أحمد السلال، الذي كان من طلاب الصف أيضا، حيث يصفه بأنه كان "أكثر من أخ ومربي وأب"، موضحا أنه جمعتهما سويا ذكريات ضخمة، تحتاج لصفحات كثيرة ولا يمكن طيها بكلمات محدودة.
وحرص السلال على التواصل الدائم مع سلطان منذ 40 عاما، سواء بالاتصالات أو الزيارات أو المراسلة، حيث جمعتهم عدة صور تجسد مراحل حياتية كثيرة، مضيفا: "عشنا معه 3 أعوام كنا صغار وكبرنا فيهم مع وساندنا، وحببنا في الرياضيات رغم صعوبتها وفروعها الكثيرة".
بعد انتشار مقطع فيديو لأستاذ سلطان وطلابه، حرص السلال وأصدقاؤه على كتابة رسالة شكر وتقدير طويلة لمعلمهم تقديرا له ولدوره المؤثر في حياتهم حيث لم يتمكنوا من نسيانه طوال تلك الأعوام ولإبداء سعادتهم البالغة به.
عصام: أستاذ سلطان درسلي في البيت شهر لما رجلي اتكسرت وساعدني أكون من الأوائل
من السعودية إلى مصر، أثر أيضا الأستاذ سلطان على طلابه في الداخل، لتجمعهم علاقة وطيدة لم تنقطع على مدار تلك الأعوام، من بينهم دكتور أمراض الصدر عصام رجائي، الذي تتلمذ على يديه في مدرسة بشبين القناطر الخيرية خلال منتصف التسعينات، حيث ساعده في أن يتميز بالرياضيات ويحتل المركز السادس وقتها بين أوائل الثانوية العامة.
مواقف عديدة جمعت سلطان بتلميذه عصام، الذي يتذكر أحدهم بأنه قبل 4 أشهر من الامتحانات وأثناء لعبه لكرة السلة تعرض لحادث تسبب في كسر قدمه، ليتفاجأ بزياة معلم الرياضيات له وإخباره بتدريسه المنهج له 3 مرات بالأسبوع دون مقابل حتى يظل مواكبا للدراسة، وهو ما اعتبره موقفا نبيلا للغاية منه.
"هو يستحق التكريم ولو كان لسه مدرس دلوقتي واثق إنه كان اتكرم من الرئيس لأنه مكانش في دماغه لا فلوس ولا مركز، بس ربى وعلم الكل زي أولاده".. هكذا يصف عصام معلمه الذي ظل على اتصال دائم معه منذ تركه للمدرسة، حتى يحكي عنه لنجله الصغير لنقل ذلك التقدير له، مبديا سعادته البالغة لانتشار قصة أستاذ سلطان ما يمنحه جزء من حقه.
تعليقات الفيسبوك