أغلقت مصر حدودها وفضاءها، حاوطت على أبنائها فى الداخل لحمايتهم من فيروس كورونا، اتخذت عدة إجراءات حازمة تضمن عدم انتشار الفيروس، منحت الأجانب مهلة لمغادرة البلاد قبل أن تتوقف رحلات الطيران، لكن عدداً كبيراً من غير المصريين المقيمين على أرضها رفضوا الرحيل، بقوا فى مصر «أم الدنيا» آمنين وسالمين، لديهم ثقة بأن الدولة المصرية ستنجح وتهزم هذا الوباء الذى انتشر فى العالم أجمع.
يعيش على أرض مصر جنسيات من مختلف بلاد العالم، جاءوا للعمل أو الدراسة، وفى أحلك الظروف التى تمر بها مصر، رفضوا مغادرتها معتبرين أنها وطنهم الثانى، مشيدين بالإجراءات الوقائية التى اتخذتها الدولة للحد من انتشار الفيروس، معلنين التزامهم الكامل بكل التعليمات التى تفرضها مصر على أبنائها، فهم أيضاً جزء من هذا الشعب، ولم ينسوا أن يعبروا عن إعجابهم بخفة دم المصريين الذين يهونون على أنفسهم وطأة الأزمة بالسخرية والضحك، متمنين فى القريب العاجل أن تزول الغمة ويعودون إلى الشارع رافعين علامة النصر.
إندونيسيا.. "وحيودى": عشت فيها 23 عاماً.. فكيف أتركها فى محنتها؟
«الشعب المصرى جزء من عائلتى»، هكذا عبَّر وحيودى سارجو عبدالرحيم، من إندونيسيا، عن حبه لمصر وأهلها، خاصة فى ظل تلك الأزمة التى تمر بها مع انتشار فيروس كورونا، وإصراره على البقاء بداخلها دون التفكير فى العودة لوطنه، مؤكداً أنه يعيش على أرضها منذ 23 عاماً فكيف يتركها فى هذه المحنة: «لسنا غرباء عن مصر فهى وطننا الثانى». يعيش برفقة أسرته المكونة من زوجته وثلاثة أطفال، اندمجوا داخل المجتمع المصرى حتى أصبحوا جزءاً منه، يتبع التعليمات التى أقرتها الحكومة ينفذها بحذافيرها، يلتزم البيت ويحافظ على نظافته الشخصية ولا يستقبل ضيوفاً، يتابع الأخبار من البيت، وكذلك يُباشر عمله عبر الإنترنت: «نلتزم بما تقوله الحكومة لمواجهة فيروس كورونا».

يتواصل «وحيودى» مع أهله باستمرار، يطمئنهم على أحواله ويؤكد لهم أنه فى أمن وسلامة، يحاوطه أصدقاؤه المصريون بالسؤال عنه وعن أسرته وهو ما يسعده كثيراً، حتى زرع فى نفوس أبنائه بعض الصفات التى يختص بها الشعب المصرى كالتسامح والكرم والطيبة وحسن الضيافة ومساعدة الغير: «عمرى ما حسيت إنى غريب ولو بإمكانى العودة لإندونيسيا حالياً لن أعود وسأختار البقاء».
يشيد بخطة الحكومة المصرية فى مكافحة هذا الفيروس، ويدعو الجميع لمساندتها وتقديم الدعم لها حتى تمر الفترة الحالية بسلام وتعود الحياة كما كانت، لافتاً إلى أن أعداد الإصابات فى بلاده أكثر من مصر حيث وصل عددهم إلى 600 حالة: «أدعو الله أن يرفع هذا البلاء عنا ويحفظ مصر من كل سوء»، مؤكداً أن أطفاله قبل الالتحاق بالمدرسة الإندونيسية كانوا فى حضانة مصرية واكتسبوا العديد من ثقافتها وعاداتها وتقاليدها.
جنوب السودان.. "أتونق": خفة دم المصريين بتهوّن علينا أى صعب
مع تعطيل الدراسة وفرض حظر تجول فى مصر، التزمت أتونق مبيور، بالإجراءات الاحترازية ومكثت فى البيت برفقة شقيقتها، مؤكدة أنها تتابع أخبار مصر ووطنها الأول جنوب السودان، لافتة إلى أنه ليس هناك حالات إصابة فيروس كورونا فى بلدها ومع ذلك اتخذت الحكومة احتياطاتها بغلق المدارس والجامعات نتيجة الوباء المتفشى فى العالم بأكمله.
تحافظ «أتونق» على نظافتها الشخصية وتتبع التعليمات، تطمئن والدتها عليها يومياً مؤكدة أنها فى أمان ولا داعى للقلق: «فى جنوب السودان مفيش حالات نهائى وأسرتى كانت عايزانى أسافر». تحافظ على نفسها قدر الإمكان، تنزل للضرورة القصوى فقط، موضحة أنها تعيش مطمئنة بين أهلها وأصدقائها: «إحنا هنا 4 اخوات فى كليات تجارة وعلوم ومودرن أكاديمى وليا أخ فى أمريكا نتواصل جميعنا عبر اليوم».

تحكى أنها مطمئنة جداً، خاصة أن أعداد الحالات المصابة بكورونا ليست كبيرة والصيف على المشارف وربما يموت الفيروس قريباً جداً وتعود الحياة لطبيعتها.
تدرس فى كلية الدراسات الأفريقية العليا قسم سياسة واقتصاد، تتابع المحاضرات عن طريق التعليم عن بُعد، تتواصل مع أصدقائها من خلال الرسائل والمكالمات الهاتفية، تشترى منظفات ومطهرات بكميات كافية لتعقيم البيت وتلتزم بقرارات الحكومة مشيدة بها: «عجبتنى الإجراءات، خاصة قرار جلوس الناس فى بيوتهم ويا ريت الكل يلتزم لأنه فى صالحنا جميعاً».
لم تعتد على حالة السكون الحالية وخلوّ شوارع القاهرة من الناس، يهوّن عليها وحدتها تعليقات المصريين الساخرة التى تُضحكها كثيراً: «شعب دمه خفيف وروحه حلوة وبياخد كل الأمور الصعبة ببساطة، أعتقد إنه مميز ومفيش زيه فى العالم كله».
روسيا.. "أولجا": فى فترة الحظر تعلمت الكروشيه والأكل المصرى
داخل بيت مصرى بامتياز، تعيش أولجا بورافليفا، من روسيا، مع زوجها وعائلته، تقضى فترة استثنائية فى ظل انتشار فيروس كورونا، جعلتها وقتاً ممتعاً تعلمت فيه بعض الأكلات والحلويات المصرية على يد حماتها أو كما تناديها بـ«ماما»، بالإضافة لممارسة هوايتها المفضلة فى المشغولات اليدوية وقراءة الكتب ومشاهدة الأفلام: «أقوم أيضاً بالتأمل والتمارين الرياضية لأنه لا يمكن المشى الآن».
تحكى أنها تتحدث مع عائلتها وأصدقائها عبر تطبيق «الواتس آب»، تخطط لمشاهدة بعض الدورات عبر الإنترنت، تقضى وقتاً مميزاً مع عائلة زوجها محمد السيد، تستمتع بالنكات والضحك معهم والتعرف عليهم أكثر فى ظل الإجازة الإجبارية، تشعر بالدفء والحنان والألفة وسطهم: «أهل محمد هم أهلى، والدتى متوفاة وعندما كنت أعيش مع أهله كانوا يهتمون بى كثيراً ويتحدثون معى ويعاملوننى على أننى ابنتهم وفرد منهم».

تعبر «أولجا» عن سعادتها بهذا الجو الأسرى الذى تنعم به خاصة هذه الأيام، مؤكدة أنهم هونوا عليها بُعدها عن أهلها والأزمة التى يشهدها العالم بأسره: «لا أشعر أنى غريبة»، يتشاركون فى الألعاب معاً وتخصص وقتاً لتعلم اللغة العربية حتى تتمكن من الحديث معهم بالعامية، لافتة إلى أنها تشعر بالحزن قليلاً لأنها لا تستطيع الخروج من البيت: «لكننى أعلم أن اتباع التعليمات ضرورى فى هذه الفترة».
تتعمد عدم سماع الأخبار ومتابعة الحالات حتى لا تنعكس على نفسيتها، تركز على الاستمتاع بوقتها والتعرف على أهل زوجها أكثر قبل السفر بعد عيد الفطر، تعيش أجواء الأسرة المصرية وتعلمت الكروشيه وطهى بعض الأكلات التى تحبها منها المحشى والشاورما وغيرهما: «أحاول عدم قراءة أو مشاهدة الأخبار، لأننى لا أستطيع تغيير الواقع، أتحدث مع عائلتى وأنشر الحب»، مؤكدة أن المصريين هنا لا يشعرون بالذعر ويحاولون العيش كالمعتاد: «فى نفس الوقت يحاولون عزل أنفسهم».
مالى.. "جورى": جاءنى خبر مولودتى الأولى "خديجة".. فنسيت "كورونا"
داخل مدينة طلاب جامعة عين شمس، يمكث إبراهيم جورى، من دولة مالى، يراقب الأحداث من حوله، يطبق قوانين الحماية ويطمئن أهله عليه، يحكى أنه منذ انتشار الفيروس فى الغرب وقبل انتقاله إلى مصر، كان حريصاً على اتباع الإجراءات الاحترازية، يرفض السلام باليد والمصافحة ولمس الأشياء والوجود فى الأماكن العامة وتجنب الزحام: «كل زملائنا المصريين ذهبوا لأسرهم فى المحافظات وبقينا نحن الأجانب هنا».

يحكى أنه اندمج مع المصريين وأصبح جزءاً من شعبها: «لا يمكن أن أصف علاقتى بها، أعتبر نفسى مصرياً لذا حزنت على المصابين والمتوفين وأخشى أن ينتشر الفيروس بشكل أكبر»، استقبل خبر مولودته الأولى «خديجة» قبل يومين مما جعله يشعر بالسعادة والفرحة، مؤكداً أن هذا الحدث هوّن عليه فى تلك الفترة: «ستحضر زوجتى إلى مصر بعد انتهاء الأزمة لزيارة معالمها السياحية».
يستغل تلك الفترة فى الانتهاء من رسالة الدكتوراه الخاصة به، يعكف على كتابتها فى ظل حصوله على إجازة إجبارية وانعزاله عن الناس: «مفيش لا تجمعات ولا مقابلات وهذه فرصة جيدة لإنهاء الأعمال المتراكمة».
ألمانيا.. "سيمونة": شربت من نيل مصر
«شربت من نيلها وتعلقت بأهلها الطيبين ولن أتركها وأرحل»، كان هذا رد «سيمونة يوره» من ألمانيا، على الفترة الحالية التى تعيشها مصر فى ظل انتشار فيروس كورونا، مؤكدة أن مصر آمنة مقارنة بألمانيا التى وصل عدد إصابتها إلى أكثر من 25 ألفاً ومعظم سكانها فوق الـ60 والـ70 عاماً: «الموقف صعب لكل الناس فى العالم، ولم أفكر فى السفر إلى ألمانيا رغم أن والدتى سيدة عجوز عمرها 80 سنة هناك، ولكن هنا سيأتى الصيف وستعود الحياة كما كانت».
تُدرّس «سيمونة» اللغة الألمانية فى معهد جوته، منذ ثلاث سنوات، تتابع عملها فى تلك الفترة عبر الإنترنت، تعيش مع زوجها وأطفالها، تحافظ على نفسها وعائلتها الصغيرة، تعد لهم الوجبات الصحية والعصائر الطبيعية وتهتم بنظافة بيتها: «مثل أى بيت مصرى نغسل أيدينا باستمرار ونعقم المنزل ونرش الكحول وننتظر مرور الأزمة بسلام».

تشيد بأداء الحكومة التى طالبت المواطنين بالجلوس فى منازلهم وأغلقت المقاهى والمحلات لمكافحة الفيروس، كل هذه الإجراءات طمأنتها على نفسها وأطفالها: «كل خوفى وقلقى على أمى العجوز خاصة أن الإصابات فى ألمانيا تزيد كل يوم لدرجة أن الوضع أصبح مخيفاً جداً بعد وفاة 94 شخصاً وفى أمريكا أيضاً الأعداد تزيد وفى العالم كله».
تحكى أن الوضع فى مصر آمن إلى حد كبير مقارنة بباقى دول العالم خاصة أن 50% من السكان تحت الـ21 عاماً مقارنة ببلد مثل إيطاليا وألمانيا: «بلد عجوز، 25% من سكان ألمانيا فوق الـ60 عاماً ولديهم مشكلات فى القلب وأمراض أخرى».
تعليقات الفيسبوك