فيما مضى كانت تشتهر سعاد فرج، ربة المنزل، التى عاشت جزءاً من حياتها مع زوجها بالكويت، بحبها لكتابة وتبادل الخطابات البريدية الورقية مع أهلها، أما الآن فهى تعتمد فقط، فى التواصل مع أبنائها الذين ما زالوا يعملون هناك، على رسائل الفيس والواتس وغيرهما من مواقع التواصل.
هكذا انتهى تماماً بالنسبة لها عصر الخطابات البريدية ولم يتبق منه سوى ذكريات جميلة وخطابات عزيزة بالنسبة لها ما زالت تحتفظ بها، وجاء عصر بوسائل تواصل جديدة، عززتها أجهزة الموبايل الحديثة وشبكة الإنترنت التى باتت منتشرة فى كثير من البيوت الآن، وظهور العديد من مواقع التواصل الاجتماعى والدردشة والكلام.
"سعاد": "الجواب كانت له بهجة" لكن الوسائل الحديثة أضمن وأسرع وأكثر خصوصية

ترصد «سعاد» بداية اختفاء الخطابات البريدية منذ نحو 10 سنوات مضت، وهى تُرجع هذا الاختفاء ليس إلى التليفونات الأرضية التى كانت تكلفة المكالمات الدولية بها مرتفعة، وإنما بسبب ظهور الموبايلات الحديثة ودخول شبكة الإنترنت عليها، ووسائل التواصل الاجتماعى، ومن خلالها يمكن أن تكلم أولادها أكثر من مرة باليوم وفى أى وقت، وبالتالى أصبحت الخطابات «مالهاش أى لازمة»، على حد تعبيرها.

بحكم استعمالها للوسيلتين، الخطابات القديمة وتكنولوجيا التواصل الاجتماعى، أصبحت تمتلك «سعاد» فكرة جيدة عن مميزات وعيوب كل منهما: «زمان كان التواصل عن طريق الجوابات بطىء، وممكن الجواب يقعد أسبوع أو 10 أيام لحد ما يوصل من بلد لبلد، لكن دلوقتى ممكن أقول لابنى فى الكويت أى حاجة فى ساعتها على الواتس، والإرسال والرد يكون بسرعة».
لكن فى مقابل السرعة التى تتميز بها وسائل التواصل حالياً «كنا زمان بنحس إن الجوابات دى ليها أهمية أكتر، فلما تحس إن شخص بعيد وبعت جواب كان ده معناه اهتمام كبير منه، غير دلوقتى ممكن أى حد من بعيد أو قريب يكتب رسالة على الواتس والفيس، ومفيهاش نفس المشقة بتاعة الأول».
وإلى جانب الإحساس بالأهمية المرتبط بإرسال الخطابات، كانت تأتى مشاعر «الفرحة والاشتياق لمعرفة أخبار الأهل والأحباب» أيضاً: «كان الإحساس بالجواب كان بيبقى بفرحة أكبر لما البوسطجى ييجى وينادى، وبكون مشتاقة أعرف الأخبار». لكن مع هذه المشاعر الإيجابية «كان العيب إن لو جه البوسطجى ومالقيناش، كنت بدوخ عشان أروح البوستة، أو مكتب البريد، وأسأل عليه وأستلمه».
تتذكر «سعاد» أيضاً كروت المعايدة التى كان يتم إرسالها فى المناسبات المختلفة، مثل الأعياد الدينية وأعياد الميلاد، مع الخطابات، والتى ما زالت تحتفظ بالعديد منها حتى الآن، والتى تقول عنها إنها كانت «بتعبر عن المناسبة، وتمثل بهجة جميلة وشعور بالاهتمام من الشخص المُرسل».
تقارن السيدة التى تخطت الستين الآن بين تلك الكروت القديمة، والكروت وبطاقات التهنئة الإلكترونية التى يتم إرسالها على مواقع التواصل الاجتماعى الآن، قائلة عن الأخيرة: «بتلاقى نفس البوست نازل لكذا حد، لكن الكارت بتاع زمان كان بيبقى جاى لى بشكل خاص».
على صعيد المقارنة أيضاً، تدرك «سعاد» أن «الجوابات والكروت ممكن تفضل كذكريات معاك، مثل جواب معين بيتكلم عن حاجة خاصة، أو كارت مناسبة، بخلاف الموبايل لو جاب سوفت وير أو حصلت له مشكلة أو اتسرق، هتروح الصور اللى عليه بالكروت بالرسائل بكل شىء».
لكنها فى النهاية تقر بمزايا وسائل التواصل الحديثة، مؤكدة أنها: «قربت المسافات، وأن مكالمة الفيديو التى يتم إجراؤها فى أى وقت الآن عن طريق الإنترنت أفضل وأحسن، ورؤيتها فيها لابنها يتكلم أمامها تؤدى لاطمئنانها عليه أكثر، ويمكن أن تفهم منها إذا ما كان متعباً، أو بصحة جيدة أم لا».
لكن على عكس «سعاد» لا تكاد تتذكر مديحة السيد، موظفة سابقة بالمعاش، أى مميزات للخطابات الورقية القديمة، بل تشير إلى أنها أحياناً لم تكن تصل، اللهم إلا إذا كانت «مسجلة بعلم الوصول».
تتذكر «مديحة»، فى هذا الصدد، أن خطاب تعيينها بوزارة الصحة، نتيجة لخطأ ما، لم يصل لها، وعندما لاحظت أن بقية زملائها وردت لهم خطابات التعيين، ذهبت لتسأل فى وزارة التخطيط، فأخبروها أنه تم إرسال خطاب لها، وأنه لسبب ربما لم يصل.
لذلك تعتبر «مديحة» أن وسائل التواصل الحديثة، ومن بينها مواقع التواصل الاجتماعى، أسرع وأفضل وتضمن أن الرسالة وصلت إلى المرسل له، هذا فضلاً عما تتيحه من خصوصية، لا سيما مع ما كان يحدث فى الخطابات الورقية القديمة من إمكانية أن يطلع شخص آخر على الخطاب.
هكذا، وفى كل الأحوال، كان لا بد للتطور أن يأخذ مجراه لتحتل وسائل الاتصال الحديثة المشهد، وتغيب عنه الخطابات تقريباً إلا فيما ندر، ولا يتبقى منها لدينا إلا بضعة خطابات قديمة وذكريات جميلة.
تعليقات الفيسبوك