من كل محافظات مصر، جئن للاحتفال بمولد السيدة زينب، فرحة كبيرة تظهر على وجوههن الطيبة، وضحكات تغلف شفاههن، على الرغم من خجل بعضهن، كثيرات من زائرات المولد كوّنَّ فيما بينهن صحبة وتعرفن على أخريات، ويتواصلن بعد المولد وأحياناً يلتقين مرة أخرى فى موالد لاحقة.
المولد فرصة للسيدات للابتعاد عن مشاكل الحياة وضغوطها، لا هدف لهن إلا الاستمتاع بالهدوء وبالطاقة الروحانية التى يكتسبنها من الأجواء وسماع الابتهالات والاستيقاظ مبكراً لتوضيب الخيام، والطهى إن أمكن وعمل الشاى أيضاً، لا يهمهن سن كبيرة ولا مشقة سفر ولا صعوبة فى النوم فى مكان غير مريح، حتى أزياؤهن كانت مختلفة، جلاليب بألوان مبهجة، حلقان على الأنوف، وإيشاربات مختلفة الأشكال.
سافرت فتحية حسين، من بنى سويف، مع ابن أخيها، ترتدى جلباباً أزرق، وتجلس فى زاوية بعيدة، تسند ظهرها على حائط، وتنشغل بتقطيع البقدونس، لزوم وجبات الطعام، بجانبها حلل وجراكن مياه وتلقى السلام على كل من يقترب منها، وتحكى معهم بكل طيبة: «والله ما أعرف أنا عندى كام سنة، بس مبسوطة، أعمل أكل شوية، وأتفرج على الناس شوية». على الرغم من سنها الكبيرة، إلا أنها لم تشعر بمشقة السفر: «ربنا مدينى شدة وقوة، وأنا فرحانة أنى جاية المولد، ولو فيه صحة هاجى برضه السنة الجاية، لأنى بحس بكل خير». أمام مدخل الجامع، جلست مجموعة من النساء، دارت بينهن أحاديث أثناء مشاهدتهن للرجال وهم يتمايلون مع صوت الابتهالات، الصدفة كوّنت صداقة بين «أم على» و«أم يوسف»، تقول الأولى التى جاءت من الشرقية: «يعنى أنت كمان بتشتغلى فى مصنع ملابس، صدفة عجيبة، وتدور بينهما الحكايات».
"فتحية": ربنا مدّينى قوة عشان أخدم فى المولد.. و"أكابر": أول مرة جيت كان عندى 60 سنة
بينما جاءت «أم أشرف» من المرج، وهى العادة التى لم تقطعها، تأتى كل عام: «مانعرفش بعض، لكن هنا كلنا أخوات وصحاب وكلنا حبايب، والخير فى كل حتة، وطول عمر الستات فى مصر جدعان»، تقولها وتضحك، ثم تتوقف لتشاهد الأجواء من حولها، وهى تسمع صوت ياسين التهامى. تحرص «أم أشرف»، على زيارة كل الموالد، من السيدة إلى الحسين وغيرهما: «ولازم آجى الليلة الكبيرة، الناس هنا كلها قلوبها صافية وطيبة، والناس كلها حلوة».
تبلغ أكابر توفيق من العمر 82 عاماً، ولم تمنعها سنها الكبيرة من زيارة المولد مسافرة من كفر الشيخ، وهى العادة التى لم تقطعها منذ 20 عاماً: «أول مرة جيت المولد كان عندى 60 سنة، بس حبيت أوى زيارته وماقطعتهاش لحد دلوقت». إحساس لا تقدر على وصفه «أكابر»، تقول بعفوية وهى تنظر للشارع من أمام خيمتها المنصوبة بالقرب من المسجد: «بحب آجى، بحس بربنا، والناس هنا كلهم إخواتى، أنا مبسوطة أوى، ربنا ما يقطعها عادة».
تعليقات الفيسبوك